دخلت الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني على وقع تصعيد عسكري متسارع وتزايد المؤشرات على تحول نوعي في طبيعة المواجهة، في ظل استعدادات أميركية محتملة لعمليات برية داخل إيران، مقابل ردود إيرانية آخذة في الاتساع إقليمياً، وعجز واضح للمسارات الدبلوماسية عن احتواء النزاع.
استعدادات أميركية لمرحلة جديدة
تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث كشفت تقارير إعلامية أميركية عن استعداد وزارة الدفاع (البنتاغون) لعمليات برية محدودة داخل الأراضي الإيرانية، قد تستمر لأسابيع دون أن ترقى إلى مستوى غزو شامل. وتشير المعطيات إلى أن هذه العمليات قد تعتمد على قوات خاصة ووحدات مشاة لتنفيذ ضربات دقيقة في العمق الإيراني.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، خصوصاً مع وصول السفينة الهجومية البرمائية “يو إس إس تريبولي” وعلى متنها نحو 3500 جندي من مشاة البحرية، فضلاً عن تداول خطط لإرسال ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي إضافي. غير أن القرار النهائي لا يزال رهين موقف الرئيس الأميركي، الذي يحافظ على قدر من الغموض الاستراتيجي بشأن الانتقال إلى هذا الخيار.
احتجاجات داخلية تضغط على ترامب
في المقابل، تواجه الإدارة الأميركية ضغطاً داخلياً متزايداً، حيث خرج ملايين المتظاهرين في مختلف المدن الأميركية رفضاً للحرب وسياسات الرئيس. وقدّر المنظمون عدد المشاركين بنحو ثمانية ملايين شخص في أكثر من 3300 تظاهرة، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج خلال العام.
وتعكس هذه التعبئة الشعبية حالة انقسام داخلي حاد، حيث تتقاطع مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما يجعل قرار التصعيد العسكري البري محفوفاً بكلفة سياسية داخلية مرتفعة، قد تؤثر على توازنات الحكم في واشنطن.
ردود إيرانية متعددة الجبهات
على الجانب الآخر، تواصل إيران اعتماد استراتيجية الرد المتعدد المستويات، إذ وسّعت نطاق عملياتها لتشمل استهداف منشآت صناعية حيوية في الخليج، من بينها مصانع ألمنيوم كبرى في البحرين والإمارات، مبررة ذلك بارتباطها بالصناعات العسكرية الأميركية.
كما لوّحت طهران بتوسيع بنك أهدافها ليشمل المصالح الأكاديمية الأميركية في المنطقة، مهددة باستهداف فروع الجامعات الأميركية في الخليج، في تصعيد يعكس انتقال المواجهة إلى مجالات غير تقليدية.
ميدانياً، تتواصل الضربات المتبادلة، مع تسجيل انفجارات متكررة في طهران وسقوط قتلى جراء ضربات أميركية إسرائيلية، مقابل إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل ودول خليجية. كما دخل الحوثيون على خط النزاع بشكل مباشر، مستهدفين إسرائيل ومهددين الملاحة في البحر الأحمر، ما يعمّق الطابع الإقليمي للحرب.
اختناق اقتصادي عالمي
يتزامن التصعيد العسكري مع تداعيات اقتصادية متفاقمة، نتيجة إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، وتهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب. وقد أدى ذلك إلى اضطرابات حادة في أسواق النفط والغاز، وتهديد سلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع امتداد الهجمات إلى منشآت صناعية وموانئ استراتيجية.
ومع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وما أثاره من اضطراب عالمي، ينذر دخول الحوثيين بزيادة هذا الاضطراب إذ سبق أن هاجموا الكثير من السفن في البحر الأحمر بين العامين 2023 و2025 خلال الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة، مهددين حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب.
دبلوماسية عاجزة عن كبح التصعيد
رغم تحركات دبلوماسية تقودها دول مثل باكستان وتركيا والسعودية ومصر، واستضافة اجتماعات لبحث التهدئة، إلا أن هذه الجهود تبدو محدودة التأثير حتى الآن، في ظل تسارع وتيرة العمليات العسكرية وغياب مؤشرات حقيقية على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات.
كما أن بعض المبادرات، مثل المساعي الإندونيسية لضمان مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، تظل ذات طابع تقني جزئي، ولا تعالج جوهر الأزمة المتصاعدة.
خلاصة المشهد
يتجه النزاع نحو مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها انتقال محتمل من الحرب الجوية والبحرية إلى انخراط بري محدود، في مقابل توسيع إيران لدوائر الرد إقليمياً. وبين ضغط الشارع الأميركي، وتعثر الدبلوماسية، واتساع رقعة الاشتباك، تبدو الحرب مفتوحة على سيناريوهات تصعيدية، قد تعيد رسم توازنات المنطقة بأكملها.
المصدر: وكالات







