تشهد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تصعيدًا غير مسبوق على المستويات العسكرية والاقتصادية والنووية، في وقت تتعثر فيه جهود الوساطة الدولية لفرض وقف مؤقت لإطلاق النار. وتكشف المعطيات الميدانية والسياسية الواردة في قصاصات الوكالات عن انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، تتجاوز الضربات التكتيكية إلى استهداف ممنهج للبنى التحتية الحيوية، مع تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
أولاً: استهداف العمود الفقري للاقتصاد الإيراني
في تطور لافت، أعلنت إسرائيل تنفيذ ضربة وُصفت بـ”القوية” استهدفت أكبر منشأة بتروكيميائية في إيران بمدينة عسلوية، وهي منشأة تمثل نحو نصف إنتاج البلاد في هذا القطاع الحيوي.
وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الهجوم ألحق أضرارًا جسيمة بالبنية الإنتاجية، مشيرًا إلى تعطيل منشآت مسؤولة عن نحو 85% من صادرات البتروكيميائيات الإيرانية، وهو ما اعتبره “ضربة اقتصادية بعشرات المليارات”.
هذا الاستهداف لا يمكن قراءته كعملية عسكرية معزولة، بل كجزء من استراتيجية واضحة لضرب القدرات الاقتصادية لإيران، عبر شل قطاعات الطاقة والصناعة الثقيلة، خاصة بعد تصريحات بنيامين نتانياهو حول تدمير نسبة كبيرة من القدرة الإيرانية على إنتاج الصلب.
في المقابل، سعت طهران إلى احتواء التداعيات، معلنة السيطرة على الحرائق وعدم تسجيل خسائر بشرية، مع استمرار تقييم حجم الأضرار، في محاولة واضحة لتقليل الأثر النفسي والاقتصادي للهجوم.
ثانياً: توسع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية الحيوية
التصعيد لم يتوقف عند المنشآت الصناعية، بل امتد إلى تهديدات مباشرة باستهداف منشآت مدنية حيوية، مثل محطات الطاقة والجسور.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح بحملة قصف واسعة في حال عدم امتثال إيران لمطالب إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران تهديدًا يرقى إلى “جرائم حرب” وفق القانون الدولي.
في هذا السياق، برز موقف أوروبي واضح، حيث اعتبر أنطونيو كوستا أن استهداف البنى التحتية المدنية “غير قانوني وغير مقبول”، محذرًا من أن المدنيين سيكونون الضحية الأولى لأي توسع في العمليات العسكرية.
ثالثاً: خطر نووي يلوح في الأفق
أخطر مؤشرات التصعيد تمثلت في استهداف محيط محطة بوشهر النووية، ما دفع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي إلى إطلاق تحذير شديد اللهجة.
غروسي أكد أن الضربات القريبة من المنشأة قد تؤدي إلى “حادث إشعاعي كارثي” يتجاوز حدود إيران ليطال دول الخليج، خاصة أن المحطة تقع جغرافيًا بالقرب من هذه الدول أكثر من قربها من طهران.
هذا المعطى ينقل الحرب من مستوى الصراع التقليدي إلى مستوى تهديد الأمن النووي الإقليمي، بما يحمله من تداعيات بيئية وإنسانية بعيدة المدى.
رابعاً: اغتيالات نوعية وتعزيز القدرات الدفاعية
ميدانيًا، أعلنت إسرائيل اغتيال مسؤول بارز في فيلق القدس، في خطوة تعكس استمرار سياسة “قطع الرأس” عبر استهداف القيادات العسكرية النوعية داخل إيران.
بالتوازي، كشفت تل أبيب عن خطة لتسريع إنتاج صواريخ “آرو” الاعتراضية، في مؤشر على ضغط متزايد على منظومات الدفاع الجوي نتيجة كثافة الهجمات الصاروخية الإيرانية، واعتراف ضمني بتحديات في المخزون الدفاعي.
خامساً: تعثر المسار الدبلوماسي رغم الوساطات
على الصعيد السياسي، لا تزال جهود التهدئة تصطدم بتعنت الأطراف.
البيت الأبيض أكد أن مقترح هدنة لمدة 45 يومًا، تقدمت به وساطات إقليمية (باكستان، تركيا، مصر)، لم يحظَ بمصادقة الرئيس الأميركي، ما يعكس استمرار الرهان على الحسم العسكري بدل التسوية المرحلية.
في المقابل، تتهم إسرائيل إيران باستغلال المفاوضات لكسب الوقت، بينما تؤكد طهران أن التصعيد الأميركي الإسرائيلي يهدف إلى فرض شروط بالقوة.
سادساً: ارتدادات اقتصادية عالمية فورية
الحرب ألقت بظلالها سريعًا على الأسواق العالمية، حيث تجاوز سعر النفط 110 دولارات للبرميل، في ظل إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
هذا الارتفاع يعكس هشاشة النظام الطاقي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، ويؤشر إلى أن استمرار الحرب قد يقود إلى أزمة طاقة عالمية ممتدة، مع ما يرافقها من تضخم واضطرابات اقتصادية.
خلاصة تحليلية
المعطيات الحالية تشير بوضوح إلى انتقال الحرب من مرحلة “الضغط العسكري المحدود” إلى “حرب استنزاف شاملة متعددة الأبعاد”، تقوم على:
- ضرب البنية الاقتصادية للطرف الخصم
- توسيع بنك الأهداف ليشمل البنى الحيوية
- استخدام التهديد النووي كعامل ردع
- توظيف الاقتصاد العالمي كساحة ضغط غير مباشرة
في المقابل، يبدو المسار الدبلوماسي هشًا وغير قادر على مواكبة وتيرة التصعيد، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، قد تشمل انفجارًا إقليميًا واسع النطاق، خاصة إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بالمنشآت النووية أو إمدادات الطاقة العالمية.
بعبارة دقيقة: المنطقة تقف اليوم على حافة انتقال نوعي في طبيعة الصراع، من حرب إقليمية مضبوطة إلى أزمة دولية مفتوحة على احتمالات يصعب احتواؤها.
المصدر: وكالات







