حذّر مجلس المنافسة من اختلالات عميقة تطبع سوق توزيع الأدوية في المغرب، معتبراً أنها تؤثر على فعالية المنافسة وتهدد استدامة القطاع، وذلك ضمن رأيه رقم A-6-25 الذي قُدّم خلال ندوة صحفية بالعاصمة.
وقال المجلس إن هذا الرأي يندرج في إطار تشخيص شامل لسلسلة توزيع الأدوية الموجهة للاستعمال البشري، شمل الإطار التنظيمي وآليات اشتغال السوق والعوامل المؤثرة في ديناميته، بهدف اقتراح إصلاحات توازن بين مصالح الفاعلين وضمان حماية المستهلك.
وبحسب المعطيات التي عرضها المجلس، فإن الاختلالات تمتد إلى مختلف حلقات التوزيع، بدءاً من التوزيع بالجملة الذي يعتمد نموذجاً اقتصادياً هشاً قائماً على هامش ربح مرتبط بسعر الدواء، ما يجعله عرضة لتقلبات السوق، وصولاً إلى التوزيع بالتقسيط الذي يعرف تفاوتات مجالية واضحة.
وفي هذا السياق، سجّل المجلس تركّزاً لافتاً للصيدليات في المجال الحضري، خاصة بمحوري الدار البيضاء–سطات والرباط–القنيطرة، حيث تتمركز نسبة مهمة من مجموع الصيدليات، مقابل ضعف التغطية في المناطق القروية، بما يطرح إشكالات في الولوج العادل إلى الدواء.
كما انتقد استمرار العمل بنظام “numerus clausus” الذي يقيّد إحداث الصيدليات وفق معايير تقليدية، مثل تحديد مسافات ثابتة، دون مراعاة التحولات الديمغرافية أو الحاجيات الفعلية للسكان.
وسلّط التقرير الضوء على هشاشة الوضع الاقتصادي لعدد من الصيدليات، إذ يواجه آلاف الصيادلة صعوبات مالية قد تقود إلى الإفلاس، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف المردودية، خاصة مع بقاء الإنفاق الفردي على الأدوية في حدود 640 درهماً سنوياً.
كما أشار المجلس إلى أن النموذج السائد لتسيير الصيدليات، القائم على الاستغلال الفردي، يفرض على الصيدلي الجمع بين مهام متعددة، من التسيير الإداري والمالي إلى تقديم الخدمة الصحية، في ظل صعوبات في الولوج إلى التمويل وضعف القدرة على تشغيل مساعدين.
وتأتي هذه التحديات رغم النمو المتسارع لعدد الصيدليات خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز عددها 14 ألف صيدلية، ما يعكس توسعاً كمّياً لا يواكبه توازن في التوزيع أو تحسن في الجدوى الاقتصادية.
وتبرز أهمية القطاع من خلال أرقامه، إذ بلغ رقم معاملات سوق الأدوية نحو 25.9 مليار درهم سنة 2024، مع واردات تفوق 10 مليارات درهم، في وقت يستفيد فيه قرابة 27.8 مليون مغربي من التغطية الصحية، وتشكل الأدوية حوالي ثلث نفقاتها.
في ضوء هذا التشخيص، دعا مجلس المنافسة إلى إطلاق إصلاح تدريجي لهيكلة القطاع، يشمل مراجعة شروط إحداث الصيدليات وفق معايير حديثة تراعي الكثافة السكانية، وإعادة توزيعها بشكل أكثر توازناً، إلى جانب إحداث آليات دعم مالي لتعزيز استدامة الفاعلين.
كما أوصى بتوسيع مهام الصيدلي لتشمل خدمات صحية إضافية، مثل الوقاية والتلقيح وتتبع العلاج، على غرار تجارب دولية، بما يتيح تنويع مصادر دخل الصيدليات وتقليص اعتمادها على بيع الأدوية فقط.
ولم يستبعد المجلس، في هذا السياق، إمكانية فتح رأسمال الصيدليات بشكل مؤطر أمام استثمارات خاصة، مع التأكيد على ضرورة مواكبة ذلك بإصلاحات قانونية وتنظيمية تضمن توازن السوق.
وختم المجلس بالتشديد على أهمية إدراج إصلاح شبكة الصيدليات ضمن نقاش عمومي واسع، باعتباره مدخلاً أساسياً لتحسين ولوج المواطنين إلى الدواء وضمان استدامة المنظومة، في ظل التحولات التي يعرفها قطاع الصحة بالمغرب.







