كان متوقعا تدفق ثمانين ألف متفرج لمشاهدة ليونيل ميسي يتبارز مع “خليفته” لامين جمال في الدوحة، ومئات الآلاف لحضور مطاردة بين مرسيدس وفيراري في جائزتي البحرين والسعودية للفورمولا واحد، لكن الحرب أطاحت بهذه الأحداث وغيرها.
أنفقت دول الخليج الغالي والنفيس لاستضافة هذه الأحداث الرياضية، وستتطلب معالجة تداعيات الإلغاء أو الإرجاء، لا سيما منه ما يمس بصورة هذه الدول التي قدمت نفسها كواحة استقرار في منطقة مضطربة، الكثير من الوقت بعد انقشاع غبار الصواريخ الإيرانية.
فبعد تعر ض دول الخليج الغنية بالنفط والغاز لهجمات إيرانية، ردا على الضربات الأميركية الإسرائيلية التي أشعلت فتيل الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير، ألغيت أو أرجئت عشرات الأحداث الرياضية التي كان من المقر ر إقامتها في دول خليجية مختلفة: من فيناليسيما الأرجنتين-إسبانيا والفورمولا واحد، الى جولة قطر في بطولة العالم للتحمل للسيارات (دبليو إي سي)، وثمن نهائي منطقة الغرب في دوري أبطال آسيا لكرة القدم، وجائزة قطر للدراجات النارية (موتو جي بي)، وغيرها.
كما اضطر فريق دبي لكرة السلة المشارك في بطولة أوروبا (يورو ليغ)، لنقل مبارياته البيتية إلى ساراييفو، وع ل ق بعض لاعبي التنس، على غرار الروسيين دانييل مدفيديف وأندري روبليف، في الإمارات مطلع الحرب.
– “جزيرة استقرار” –
ويقول جيمس دورسي، الباحث في معهد “إس. راجاراتنام” للدراسات الدولية في سنغافورة، “دول الخليج (…) قدمت نفسها كجزيرة استقرار. وهذا كان جوهر استراتيجيتها للتحول إلى مراكز تكنولوجية كبرى، واستضافة مراكز البيانات والاستثمارات الضخمة المرتبطة بها” واستضافة الأحداث الرياضية.
واعتبر أن الحرب تسببت “بضرر كبير لسمعة هذه الدول، وهو ضرر ستستغرق معالجته وقتا”، مشيرا الى أن تلك الدول، بمجرد انتهاء الحرب “ستحتاج إلى إعادة بناء سمعتها. وهذا ينطبق على الرياضة كما على الصورة العامة”.
وتمتعت دول الخليج بسمعة الملاذ الآمن، فاستضافت أبرز دورات التنس، ونزالات الملاكمة الباذخة ودورات الغولف وحتى مباريات الكأس السوبر في كرة القدم لإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، فيما استضافت قطر مونديال 2022 للمرة الأولى في الشرق الأوسط، وستستضيف السعودية نسخة 2034.
وأنفقت مليارات الدولارات للحصول على حقوق هذه الأحداث وتنظيمها، فبنت ملاعب حديثة أبرزها لوسيل الذي احتضن نهائي مونديال 2022 في قطر وكان سيستضيف مباراة فيناليسيما.
كما طورت البنى التحتية وبنت شبكات مترو الأنفاق، في إطار استراتيجية لجذب الاستثمارات وتنويع مصادر الدخل الذي يقوم بشكل أساسي على موارد النفط.
– “كسب ثقة الرعاة” –
ويقول جابر الحرمي، رئيس تحرير صحيفة “الشرق” القطرية، لوكالة فرانس برس، “هناك تجهيزات سبقت استضافة الأحداث وتم صرف وإيجاد بنية تحتية وجانب تنظيمي، ولم يتبق على انطلاق المنافسات سوى أيام أو أسابيع. كل هذه التجهيزات خسرتها الدول الخليجية، وهذا أمر مؤسف”.
وفي حين يرى الحرمي أن “موضوع كسب ثقة الرعاة سيشكل (بعد الحرب) تحديا كبيرا أمام هذه الدول”، يؤكد أن الرياضة ستبقى أولوية لدول الخليج، مضيفا “لن يتم التراجع عن هذه الاستراتيجية، بل سيتم البحث عن بدائل”.
ويشرح الباحث في جامعة الإمارات العربية المتحدة دانيال رايشي الأثر الاقتصادي بالقول “تستند الاستراتيجية الرياضية الدولية للخليج إلى ثلاثة أعمدة: رعاية الأندية والاتحادات والفعاليات حول العالم؛ وامتلاك أندية مثل نيوكاسل (السعودية)، ومانشستر سيتي (الإمارات)، وباريس سان جرمان (قطر)؛ واستضافة الفعاليات. وحدها الأخيرة تأثرت بالحرب”.
وعن العمل الواجب لاستعادة سمعة الدول المعنية بعد انتهاء الحرب، يقول رايشي “لن تتردد الاتحادات الرياضية الدولية في العودة إلى الخليج الذي أثبت طوال أكثر من ثلاثة عقود أنه موقع مربح ماليا، ومهني، وموثوق لاستضافة الأحداث. ولإعادة بناء الثقة، قد تعمد دول الخليج أيضا إلى توسيع نشاطاتها في مجال الرعاية الرياضية”.
– أولمبياد 2036 –
وكان لافتا إلغاء مباراة فيناليسيما في الدوحة بين بطلي أوروبا وأميركا الجنوبية، بدلا من نقلها إلى مكان آخر، فيما لم يكن بيان الاتحاد الدولي للسيارات حاسما بشأن إلغاء جائزتي الفورمولا نهائيا من روزنامة هذا الموسم.
ويقول فراس النمري، المعلق على سباقات الفورمولا واحد والمتخصص في الرياضات الميكانيكية، “قال الاتحاد الدولي +لن تقام جائزتا البحرين والسعودية في أبريل+، وبالتالي هناك أمل بإقامتهما في فترة لاحقة هذا الموسم.. سيشكل غيابهما غصة بحلق كل محب للرياضة في المنطقة والعالم”.
في المقابل، قررت رابطة الدوري السعودي لكرة القدم التي ينشط فيها البرتغالي المصاب راهنا كريستيانو رونالدو والفرنسي كريم بنزيمة، استكمال منافساتها بحضور الجماهير، نظرا لأن الوضع في المملكة أقل سوءا من جيرانها. كما استؤنف الدوري القطري بعد توقفه مطلع الحرب، لكن بعض مبارياته ع ل قت موقتا مع إطلاق صفارات الانذار في الملاعب الخالية من الجماهير.
وضمن استراتيجية دول الخليج لاستخدام الرياضة كأداة للقوة الناعمة، تعويل على استضافة أحداث رياضية كبرى في المستقبل: فإلى كأس آسيا لكرة القدم 2027 في السعودية ومونديال السلة عام 2027 في قطر، تحلم الأخيرة باستضافة الألعاب الأولمبية 2036 للمرة الأولى في الشرق الأوسط.
ويقول دورسي “أعتقد أن الأمر سيعتمد على توقيت اختيار المدينة المضيفة لدورة 2036، وعلى نتيجة الحرب. إذا أ جري التصويت اليوم، فستكون معركة صعبة بالنسبة لقطر، لأن المنطقة تشتعل. لكن إذا انتهت الحرب بتغيير للنظام في إيران، وبحكومة ينظر إليها على أنها تعزز الاستقرار والأمن، عندها قد تكون فرص قطر قوية. أما إذا انتهت الحرب بنظام إيراني متشدد أو بانزلاق البلاد إلى الفوضى، فستصبح استضافة حدث بحجم الألعاب الأولمبية في المنطقة أمرا صعبا للغاية”.
المصدر: أ ف ب بتصرف







