كشف عرض نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلّم (TALIS 2024)، التي أنجزتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عن صورة مركبة لواقع مهنة التدريس في المغرب، تجمع بين مؤهلات بشرية واعدة وتحديات بنيوية تمس جودة المنظومة التعليمية.
وأظهرت المعطيات أن هيئة التدريس بالمغرب تُعد شابة نسبيا، إذ يبلغ متوسط عمر الأساتذة نحو 39 سنة، مقابل 45 سنة كمعدل عام في دول المنظمة، مع نسبة مهمة من الأساتذة دون 30 عاما، ما يعكس دينامية ديمغرافية داخل القطاع.
تكوين رقمي محدود وفجوة في الذكاء الاصطناعي
رغم تسارع التحول الرقمي، أبانت الدراسة عن تأخر نسبي في تكوين الأساتذة في المجالات الحديثة، حيث بلغت نسبة من لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في عملهم 74%، وهي أقل من المتوسط الدولي.
كما أرجع غالبية الأساتذة هذا التأخر إلى نقص المهارات الرقمية وضعف البنية التحتية داخل المؤسسات التعليمية.
وفي السياق ذاته، برزت الحاجة الملحة إلى تطوير الكفاءات الرقمية والبيداغوجية، خاصة أن أكثر من نصف الأساتذة يعبّرون عن حاجتهم لتكوين إضافي في إدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم.

استقلالية بيداغوجية محدودة ومركزية القرار
وسجل التقرير أن الأساتذة في المغرب يتمتعون باستقلالية أقل مقارنة بنظرائهم في دول المنظمة، سواء في إعداد الدروس أو اختيار أساليب التقييم أو المساهمة في تطوير المناهج، حيث يظل اتخاذ القرار التربوي مركزيا إلى حد كبير.
كما أظهرت نتائج اللقاء التواصلي أن هذه المحدودية تنعكس على قدرة المدرسين على تكييف المضامين التعليمية مع حاجيات التلاميذ، خاصة في ظل التفاوتات اللغوية والمستويات الدراسية داخل الأقسام.
تحديات لغوية وتفاوت في مستويات التلاميذ
ومن أبرز الإشكالات التي رصدتها الدراسة، تأثير التعدد اللغوي على جودة التّعلمات، إذ يعمل 47% من الأساتذة في مؤسسات تضم نسبة مهمة من التلاميذ الذين لا تُعد لغة التدريس لغتهم الأم، ما يفرض تحديات إضافية في الفهم والتحصيل.
كما أشار الأساتذة إلى وجود تباين واضح في مستويات التلاميذ، مع حاجة متزايدة إلى دعم بيداغوجي لتدبير هذا التنوع داخل الفصول الدراسية.
علاقات مهنية جيدة وضغط مهني متزايد

في المقابل، أظهرت النتائج أن العلاقات المهنية داخل المؤسسات التعليمية إيجابية، حيث أكد 93% من الأساتذة وجود علاقات جيدة مع الإدارة التربوية، كما عبّر 84% عن ثقتهم في زملائهم.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تقابلها ضغوط مهنية ملحوظة، أبرزها كثرة الدروس والتصحيح والحفاظ على الانضباط داخل الأقسام، وهي عوامل اعتبرها الأساتذة من أهم مصادر التوتر المهني.
رضا مهني مقابل ضعف جاذبية الأجور
ورغم أن 92% من الأساتذة صرحوا بأنهم راضون عن مهنتهم بشكل عام، فإن الرضا عن الأجور يظل ضعيفا، إذ بلغت نسبته 76%، وهو ما يطرح تحديا حقيقيا في الحفاظ على جاذبية مهنة التدريس.
كما عبّر جزء من الأساتذة الشباب عن نيتهم مغادرة المهنة خلال السنوات المقبلة، في مؤشر يثير مخاوف بشأن استدامة الموارد البشرية في القطاع.
رأسمال بشري واعد وإصلاحات منتظرة
وتخلص نتائج “طاليس 2024” إلى أن المغرب يتوفر على رأسمال بشري مهم في قطاع التعليم، غير أن تطوير المنظومة يظل رهينا بإصلاحات عميقة تشمل تعزيز التكوين المستمر، وتوسيع الاستقلالية البيداغوجية، وتحسين ظروف العمل، إلى جانب إدماج فعلي للتكنولوجيا الحديثة داخل الفصول الدراسية.
المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تقرير TALIS 2024 الخاص بالمغرب، إضافة إلى معطيات اللقاء التواصلي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.







