في كشف علمي غير مسبوق، وثّقت دراسة حديثة نشرتها مجلة Science سلوكا تعاونيا نادرا لدى الحيتان المنوية، حيث شاركت إناث من خارج دائرة القرابة المباشرة في مساعدة أنثى أثناء الولادة، في ظاهرة كانت تُعتبر حتى الآن حكرا على البشر والرئيسيات.
الدراسة، التي أنجزها فريق دولي بقيادة مشروع “Project CETI”، اعتمدت على تصوير جوي عالي الدقة وتحليل شبكي متقدم لتفكيك تفاصيل ولادة حوت صغير قبالة سواحل دومينيكا سنة 2023، مقدمة واحدة من أدق القراءات الكمية لسلوك الولادة لدى الثدييات البحرية.

تعاون يتجاوز روابط الدم
وأظهرت النتائج أن مجموعة من 11 حوتا، تنتمي إلى سلالتين عائليتين مختلفتين عادة ما تنفصلان خلال البحث عن الغذاء، توحدت بشكل لافت خلال لحظة الولادة، حيث اختفت “الحواجز القرابية” تماما، وانخرطت جميع الإناث في دعم الأم والمولود.
وسجل الباحثون أن الحيتان تناوبت على رفع المولود ودعمه جسديا فور خروجه، لمنع غرقه ومساعدته على التنفس، في عملية جماعية منظمة شملت كل أفراد المجموعة، بمن فيهم غير المرتبطين وراثيا بالأم.

تنسيق جماعي عالي الدقة
وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل الفيديو، رصدت الدراسة مستويات مرتفعة من “التماسك المكاني” و“التزامن الحركي” بين الحيتان خلال الولادة، حيث بقيت المجموعة متقاربة جسديا وفي حالة تنسيق شبه كامل، قبل أن تعود تدريجيا إلى سلوكها الطبيعي بعد انتهاء الحدث.
كما أظهرت المعطيات أن اهتمام المجموعة كان موجها بالكامل نحو الأم أثناء المخاض، قبل أن يتحول مباشرة إلى المولود بعد ولادته، في مؤشر على وعي جماعي بالأدوار وتغير الأولويات.
نظام رعاية جماعي معقد
وكشفت الدراسة عن وجود “نواة داعمة” من أربع إناث تولّت رعاية المولود بشكل شبه مستمر، فيما شارك باقي الأفراد بنسب متفاوتة، مع تسجيل تناوب منتظم في الأدوار، ما يعكس نظاما مرنا للتكفل الجماعي.
وفي المجمل، شارك جميع أفراد المجموعة في دعم المولود في لحظات مختلفة، وهو ما اعتبره الباحثون دليلا على وجود “نظام تعاوني موزع” وليس مجرد سلوك فردي أو عائلي.

دلالات تطورية عميقة
ويرى معدّو الدراسة أن هذا السلوك يعزز فرضية أن بقاء صغار الحيتان، خاصة في اللحظات الحرجة بعد الولادة، كان عاملا أساسيا في تطور البنية الاجتماعية المعقدة لهذه الكائنات.
كما تفتح النتائج الباب أمام إعادة النظر في فهم التعاون لدى الحيوانات، إذ تشير إلى أن أشكالا متقدمة من “التضامن البيولوجي” قد تكون أكثر انتشارا مما كان يُعتقد، خصوصا لدى الأنواع التي تعيش في مجتمعات طويلة الأمد.
ويخلص الباحثون إلى أن تطور أدوات الرصد، مثل الطائرات المسيّرة وتحليل البيانات الضخمة، سيواصل كشف أسرار جديدة عن حياة الكائنات البحرية، التي ظلت لعقود بعيدة عن الملاحظة الدقيقة.
المصدر: دراسة منشورة في مجلة Science (عدد 26 مارس 2026)، إلى جانب بيانات مشروع Project CETI.







