تصعيد عسكري يهدد إمدادات الطاقة العالمية .. مخاوف من أزمة غير مسبوقة

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا متسارعًا في اليوم الرابع والعشرين من الحرب، مع اتساع رقعة المواجهات لتشمل دول الخليج، في تطور يثير مخاوف متزايدة من أزمة طاقة عالمية قد تكون الأشد منذ عقود، وسط اضطرابات حادة في الإمدادات وارتفاع لافت في الأسعار، وتوسّع نوعي في طبيعة الأهداف ليشمل قطاع الكهرباء.

هجمات متبادلة وتوسّع جغرافي للصراع

أعلنت السعودية تعرض منطقة الرياض لصاروخين بالستيين، تم اعتراض أحدهما بينما سقط الآخر في منطقة غير مأهولة. وفي السياق ذاته، أكدت الإمارات اعتراض هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة، فيما فعّلت البحرين صافرات الإنذار ودعت السكان إلى الاحتماء.

ويأتي هذا التصعيد ضمن رد إيراني مستمر على الهجوم الأميركي الإسرائيلي الذي انطلق أواخر فبراير، حيث استهدفت طهران مواقع عسكرية وبنى تحتية حيوية، من بينها منشآت نفطية وموانئ ومطارات في عدة دول خليجية.

في المقابل، أعلنت إسرائيل تنفيذ سلسلة ضربات جوية على مواقع داخل طهران، مع تسجيل انفجارات عنيفة في عدة مناطق من العاصمة الإيرانية، بينما تواصل أنظمة الدفاع الجوي اعتراض صواريخ متبادلة بين الطرفين.

ضربات تطال البنية التحتية للطاقة وتوسّع نحو الكهرباء

أحد أبرز ملامح التصعيد يتمثل في استهداف مباشر ومكثف لقطاع الطاقة. فقد تم تسجيل أضرار “بالغة أو بالغة جدًا” في ما لا يقل عن 40 منشأة طاقية عبر تسع دول في المنطقة، ما يعكس تحول الطاقة إلى محور مركزي في الصراع.

وفي تطور لافت، تبرز مؤشرات على انتقال الاستهداف إلى محطات توليد الكهرباء، خصوصًا في إيران، حيث لوّحت الولايات المتحدة بقصف هذه المنشآت في حال عدم إعادة فتح مضيق هرمز. ويعني ذلك انتقال الحرب من استهداف مصادر الطاقة الأولية (النفط والغاز) إلى ضرب البنية التحتية لإنتاج الكهرباء، بما يحمله من آثار مباشرة على الحياة اليومية والاقتصاد.

وتضم إيران أكثر من 90 محطة كهرباء، يعتمد جزء كبير منها على الغاز والدورة المركبة، في حين تشكل الطاقة المتجددة نسبة محدودة، ولا تتجاوز مساهمة الطاقة النووية 1% عبر محطة بوشهر الوحيدة.

هشاشة داخلية وتداعيات مضاعفة

يكتسي هذا التهديد أهمية خاصة بالنظر إلى هشاشة قطاع الطاقة الإيراني أصلًا، إذ تعاني البلاد من نقص مزمن في الإمدادات رغم امتلاكها موارد ضخمة، بسبب تهالك البنى التحتية والعقوبات الدولية.

وتضطر السلطات الإيرانية أحيانًا إلى تقنين الكهرباء، خصوصًا في فترات الذروة الصيفية، ما يعني أن أي استهداف لمحطات الإنتاج قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة النطاق، تتجاوز البعد العسكري إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية حادة.

وتُعد محطات كبرى مثل “دماوند” و”شهيد سليمي” و”شهيد رجائي” ركائز أساسية في شبكة الكهرباء، ما يجعلها أهدافًا ذات حساسية عالية في حال توسع دائرة الضربات.

مضيق هرمز في قلب الأزمة

في موازاة ذلك، تتزايد التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، الشريان الحيوي لتدفقات النفط العالمية، في ظل تلويح إيران بإغلاقه بالكامل، مقابل تهديد أميركي بتدمير بنيتها التحتية الطاقية في حال استمرار تعطيل الملاحة.

وقد أدى الإغلاق شبه التام للمضيق إلى فقدان نحو 11 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، وهو ما يفوق مجموع الخسائر المسجلة خلال أزمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي.

تحذيرات دولية من أزمة طاقة شاملة

في هذا السياق، حذّر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية من أن العالم قد يكون على أعتاب “أسوأ أزمة طاقة منذ عقود”، مشيرًا إلى أن الأزمة الحالية لا تقتصر على النفط، بل تشمل أيضًا انهيارًا في سوق الغاز، ما يضاعف من خطورتها على الاقتصاد العالمي.

وأكد أن استمرار الوضع الحالي يعني أن “لا بلد سيكون بمنأى عن التأثيرات”، في ظل ترابط الأسواق العالمية واعتمادها الكبير على إمدادات المنطقة.

ارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق

انعكس هذا التصعيد بشكل مباشر على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 50% خلال شهر واحد، متجاوزة 100 دولار للبرميل، وسط حالة من عدم اليقين بشأن استمرارية الإمدادات.

ورغم محاولات دولية لاحتواء الأزمة، بما في ذلك إجراءات أميركية مؤقتة للسماح بتدفق النفط الإيراني المخزن، إلا أن محدودية المعروض واستمرار العمليات العسكرية يحدّان من فعالية هذه التدابير.

مخاطر ممتدة وآفاق غامضة

تشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة مرشحة للتفاقم في حال استمرار العمليات العسكرية بنفس الوتيرة، خاصة مع توسّع بنك الأهداف ليشمل الكهرباء إلى جانب النفط والغاز، ما ينذر بتحول الصراع إلى حرب شاملة على البنية التحتية للطاقة بكل مكوناتها.

وفي ظل هذا المشهد، تتزايد المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة اضطراب حاد، حيث لن تكون أي دولة بمنأى عن تداعيات أزمة الطاقة المحتملة، ما يعيد إلى الواجهة الحاجة إلى تحرك دولي منسق لتفادي سيناريوهات أكثر حدة.

خلاصة

لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى حرب على الطاقة بمختلف أشكالها، من النفط والغاز إلى الكهرباء. ومع تصاعد التهديدات واستهداف البنى التحتية الحيوية، يواجه العالم اختبارًا حقيقيًا لأمنه الطاقي، في لحظة توصف بأنها قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية لسنوات قادمة.

المصدر: وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top