بلغ إصلاح نظام التأمين الصحي الإلزامي، مرحلة مؤسسية هامة، لكن دون تفويض مطلق، بعد أن أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيه في هذا الشأن.
وقد تضمن رأي المجلس، الذي أُعتمد بالإجماع في 28 يناير 2026 وعُرض في 9 أبريل، تأييده لمشروع القانون رقم 54.23 المتعلق بالتأمين الصحي الإجباري الأساسي عن المرض، مع بعض التحفظات الجوهرية بشأن تغطيته.
ورغم اعتراف المجلس بأهمية هذا الإصلاح الهيكلية، إلا أنه ينبه إلى مجموعة من نقاط الضعف التي يجب معالجتها لتعزيز انسجام هذا المشروع وضمان استدامته.
ولخص رأي المجلس، أن قانون إصلاح التغطية الطبية الأساسية “غير كاف” لضمان نظام رعاية صحية شامل وعادل ومستدام.
وأشار إلى أن التوحيد الإداري وحده لا يكفي لضمان الاستقرار المالي أو المساواة الحقيقية بين المؤمن عليهم، أو استمرارية الحقوق.
ودعا المجلس إلى ضرورة ضمان سلامة الإصلاح قبل تنفيذه، خاصة في ما يتعلق بالجوانب الاكتوارية والمالية والحوكمة.
- نعم للإصلاح لكن مع شروط أساسية
أشار المجلس في رأيه أن إصلاح نظام التأمين الصحي الإلزامي، يندرج ضمن إطار تنفيذ القانون الإطاري رقم 9.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية.
ورغم إقراره بأهداف الإصلاح بشكل عام، فقد سلط الضوء على بعض القيود والمخاطر المرتبطة به.
وأوصى المجلس بأن يكون تنفيذ الإصلاح مصحوبا بمتطلبات أساسية منها :
- دراسة اكتوارية شاملة، تشمل أفقًا زمنيًا لا يقل عن 20 سنة لكل نظام، ودراسات سوسيو-اقتصادية ودراسات الأثر.
- تعزيز الإطار التشريعي لضمان إدارة مسؤولة وفعالة وتشاركية لنظام التأمين الصحي الإلزامي.
- إشراك الشركاء الاجتماعيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية، مع فصل الحسابات الخاصة بالبرامج المختلفة.
- وضع آلية إدارة واضحة، فضلا عن ضمان تمثيل القطاع العام في المرحلة الانتقالية وحماية الفئات الأكثر ضعفًا.
وذكر تقريــر المجلــس الأعلى للحسابات عن سنتي 2024-2025، أن حوالــي 30.4 % مــن الســكان، أي مــا يناهــز 11 مليــون شــخص، لا يستفيدون مــن التغطيــة الصحيــة.
لذلك، أوصى المجلس بضرورة التعميم الفعلي والشامل للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، مع تقليص حالات عدم الانخراط أو “الحقوق المغلقة” إلى الحد الأدنى.
- هيئة موحدة : سلاح ذو حدين
يعد إحداث هيئة موحدة لتدبير أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، من أبرز ابتكارات مشروع القانون.
إلا أن المجلس أكد أن هذا التوحيد رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان تنفيذ فعلي لمنظومة تغطية صحية شاملة ومنصفة ومستدامة.
وحذر من نقل نظام يعاني من عجز مالي بنيوي(CNOPS) إلى هيئة ذات إطار تدبيري موحد ( .(CNSS ، دون إجراء إصلاحات مقياسية مسبقة، وإرساء آلية قيادة ملائمة، مما يهدد استقرار المنظومة المالية.
في الواقع ، يسلط رأي المجلس الضوء على التفاوتات المالية بين النظامين.
يسجل نظام “أمو- القطاع الخاص” الذي تديره ( (CNSS فائضا سنويًا يبلغ حوالي 3.55 مليار درهم، ولديه احتياطات تصل إلى 43.67 مليون درهم مع أفق استدامة يتجاوز 20 عامًا.
بالمقابل، يعاني “أمو-القطاع العام” الذي يدره نظام (CNOPS) من عجز مالي منذ عام 2021، يقدر بنحو مليار درهم بحلول عام 2025.
كما تراجعت التناسبية الديمغرافية بين العاملين والمتقاعدين إلى 1.61 عاملًا نشيطًا لكل متقاعد، ومن المتوقع استنفاد احتياطات هذا النظام في أفق عام 2028.
ويعاني نظاما “أمو- العمال غير الأجراء” و”أمو- الشامل” من عجز بنيوي، مع نسبة مصاريف إلى اشتراكات تبلغ على التوالي 1.29 و2.73.
وأوصى المجلس بمراجعة اشتراكات القطاع العام للحفاظ على التوازنات المالية للمنظومة، سواء عبر حذف سقف الاشتراكات أو ملاءمة نسبها، مع تحيين التعريفة الوطنية المرجعية.
و يرى، أنه من غير المناسب نقل نظام معاشات تقاعدية يعاني من عجز هيكلي إلى هيئة إدارة واحدة دون إجراء دراسة اكتوارية مسبقة. مؤكدا ضرورة تقييم دقيق للالتزامات و المداخيل المتوقعة ومخاطر عدم التوازن.
كما شدد المجلس على أهمية مراقبة قدرة الاشتراكات على تغطية المزايا المدفوعة بشكل مستدام. وأوصى بإلغاء وضع الأشخاص المؤمن عليهم الذين لم يعد لديهم تغطية تأمينية فعّالة رغم انتسابهم سابقًا إلى النظام.
وأوصي أيضا، بتقارب تدريجي بين الأنظمة، مع تنسيق مرحلي للقواعد المتعلقة بالاشتراكات، وحدودها القصوى، ومستويات السداد، وحزمة المزايا، بدلًا من التنسيق المتسرع.
- مركزية القرار لا تخلو من مخاطر
حذر المجلس من التركيز المفرط لسلطة اتخاذ القرار داخل الهيئة الموحدة، لصالح إدارة صندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
وأشار المجلس أن هذا الأمر، قد يضعف منظومة التدبير ويغيب الجمعيات التعاضدية عن منظومة الحكامة.
كما نبه إلى صعوبة دمج ثقافتين تنظيميتن مختلفتين، مما قد يؤدي الى نشوب نزاعات اجتماعية أثناء عملية الدمج.
تنصل المادتان 6 و7 من القانون الجديد على الدمج التلقائي لمستخدمي ” كنوبس” (المرسمين والمتدربين والمتعاقدين) مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة ومدة الخدمة.
ومع ذلك يرى المجلس، أن هذا الاندماج لا يخلو من المخاطر، لا سيما فيما يتعلق بتجانس المسارات الوظيفية. كما يعتقد المجلس أن فقدان تمثيلية موظفي القطاع العام في الهيئة الموحدة أمر وارد .
- عدم اليقين القانوني مع النظام الانتقالي
ينص القانون على الحفاظ على التغطية الصحية الاختيارية التي توفرها هيئات عامة أو خاصة لمأجوريها بواسطة عقود جماعية لدى شركات التأمين.
لكن يشترط رأي المجلس، أن تكون مزايا هذه التغطية مماثلة على الأقل لتلك التي يوفرها التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
يربط الإصلاح استمرار توفير هذه التغطية بصدور نص تنظيمي يحدد المواعيد النهائية لهذه الفترة انتقالية .
ولكن المجلس يرى أن عدم تحديد أجل هذا الانتقال الاستثنائي، يدخل شركات التأمين في حالة من عدم اليقين، مع غموض قانوني بالنسبة للمقاولات.
وتشمل حالة عدم اليقين التي تكتنف مستقبل شركات التأمين التعاوني التي تضم 3 ملايين حامل وثيقة تأمين والعواقب المحتملة لعدم مراجعة التسعير الوطني (الذي لم يتغير منذ عام 2006)
- تغطية الطلبة : الإلغاء يزيد النفقات
يلغي الإصلاح الجديد، القانون 116.12 المتعلق بنظام التأمين الصحي الإلزامي الأساسي للطلبة. مما يعني أن غالبية الطلبة سيغطون كمعالين من قبل أبائهم المؤمن عليهم.
ويأتي هذا الواقع، مع رفع الحد الأقصى لسن التغطية الصحية للأبناء غير المتزوجين الذين يتابعون التعليم العالي والتدريب المهني من 26 عاما إلى إلى 30 عاما.
بموجب المادة 14 من القانون، سيستفيد الطلبة الذين غطت الدولة مساهماتهم من برنامج “أمو تضامن” وفقا للشروط والمواعيد النهائية التي سيتم تحديدها بموجب اللوائح.
وفي هذا الصدد، حذر المجلس من أن بعض الطلبة قد يفقدون حقا مكتسبا مع احتمال زيادة النفقات الشخصية .
لذلك أوصى المجلس بإعادة العمل بنظام التغطية الصحية الخاص بالطلبة، لضمان حمايتهم من أي انقطاع في الاستفادة من التغطية أو من انعكاسات وضعية “الحقوق المغلقة”.
كما أوصى المجلس باعتماد آلية تلقائية للتغطية الصحية لفائدة الطلبة اليتامى أو الذين لا يستفيد آباؤهم وأمهاتهم من أي تأمين.

إجمالا، أهم ما جاء في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول مشروع القانون رقم 54.23 المتعلق بالتأمين الصحي الإجباري الأساسي عن المرض:
- نقاط الضعف :
- غياب توقعات مالية رسمية مرفقة بالنص
- تحويل العجز المالي لـ “كنوبس” دون اعتماد أي إصلاح مقياسي
- غموض بشأن الوضع القانوني للجمعيات التعاضدية (3 ملايين مؤمن) بعد عملية الانتقال
- لم يتم التنصيص على أي مراجعة للتعريفة الوطنية التي ظلت مجمدة منذ 2006
- توحيد النظام المعلوماتي
- تقوية القدرة التفاوضية لـ CNSS والهيئة العليا للصحة مع مقدمي الخدمات وقطاع صناع الأدوية
- إرساء بروتوكلات العلاجات وآليات الضبط الطبي
- المخاطر :
- خطر التحويلات المالية بين الأنظمة ( ضغط على الفائض المسجل في القطاع الخاص (3 مليار درهم في السنة)
- تجزيء منظومة الحماية الاجتماعية
- مخاطر على مستوى الأخلاقيات (عدم دمج حوادث الشغل والأمراض المهنية)
- آثار الالتقائية بين CNSS و CNOPS ( عدم تقييم كلفة ملاءمة الخدمات)
- نقاط إيجابية :
- تبسيط الإجراءات الإدارية : شباك وحدي يسمح باللجوء إلى سبل الإنصاف الإداري
- تعضيد الموارد : توفير مردودية أكبر بأقل كلفة ممكنة
- الحفاظ على الحقوق المكتسبة : نسب التعويض في القطاع العام
- إدراج البعد الوقائي







