كشف أحدث تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، أن المغرب بحاجة إلى تعبئة ما لا يقل عن 70 هكتارًا إضافيًا سنويًا لإيواء القبور، بينما استنفدت 919 مقبرة طاقتها الاستيعابية بالكامل.
وقد تفوق الحاجة هذا الرقم، إذ سجّل التقرير أن أكثر من 15.193 مقبرة (أزيد من 52%) لا تتوفر الجماعات عن معطيات دقيقة بشأن معدل الاستغلال فيها، المساحات المتبقية للدفن، وعدد القبور الشاغرة.
وحسب ما هو وارد في القرارات التنظيمية المعتمدة من طرف الجماعات الترابية يُخصص 2.64 متر مربع لكل قبر، مع إضافة 50 ٪ لتغطية متطلبات الارتفاق والولوج.
يسلط التقرير الضوء على استخدام مواقع الدفن غير المطورة أو الفوضوية، وهو نتيجة مباشرة لنقص توقعات الخصاص، وتوفير الأراضي، وعدم كفاية التخطيط الحضري.
++ أزيد من 95 ٪ من المقابر في المجال القروي
يضم المغرب 29,081 مقبرة تمتد على مساحة إجمالية تقارب 22,000 هكتار، تتركز 95.16 ٪ منها في المجال القروي (27.674 مقبرة)، مقابل 4.84 ٪ منها في المجال الحضري (1.407 مقبرة).
تشير هذه المعطيات إلى عدم مواكبة التوسع الحضري السريع. إذ تمثل البنى التحتية «النموذجية» 109 مقابر فقط بما يقل عن 0,4% من الإجمالي. يتركز 76% منها في جهات جهة مراكش-آسفي (46 مقبرة)، سوس-ماسة (26 مقبرة)، و الشرق ( 11 مقبرة).
بين 2018 و2024، سُجّل أكثر من 1,2 مليون وفاة، بمعدل سنوي بلغ 175 ألفًا و679 حالة. ومع ذلك، لا تتوفر لدى الجماعات استراتيجية تنبؤية لإحداث أو توسيع المقابر. فقط 8.73٪ (2.540 مقبرة) مشمولة بوثائق التعمير.
وبحسب المعطيات، خُصِّص عدد محدود من المشاريع بوثائق التعمير لإحداث وتوسعة المقابر، إذ تمثل المشاريع المبرمجة أقل من 30% من إجمالي المقابر الممتلئة، بلغ أقصاها في جهة جهة الرباط-سلا-القنيطرة (35%)، تليها جهة كلميم-واد نون (28%) وجهة فاس-مكناس (21%)، بينما لم تتجاوز 6% في 7 جهات أخرى.
وسجّل التقرير، في هذا السياق، عدم إنجاز عدد مهم من مشاريع إحداث وتوسعة المقابر المبرمجة ضمن وثائق التعمير، إذ لم يتجاوز معدل الإنجاز 5% لإحداث المقابر و9% لتوسعتها.
++ الضغط على المقابر القائمة
وفي ظل ضعف تخصيص الأراضي لإحداث مقابر جديدة، تلجأ الجماعات الكبرى ذات نسب الملء المرتفعة، مثل الدار البيضاء، الرباط، سلا، فاس، مراكش وطنجة، إلى الضغط على المقابر القائمة.
ويؤدي هذا الضغط، وفق التقرير، إلى تجاوز الطاقة الاستيعابية الحقيقية عبر الحفر والدفن في الممرات، أو فوق القبور القديمة، أو توجيه الساكنة إلى الدفن بجماعات مجاورة.
ويفسّر ذلك، ما سجّله التقرير من أن قرارات إغلاق المقابر التي استنفدت طاقتها الاستيعابية لم تشمل سوى 2001 مقبرة، في حين توقفت عمليات الدفن بـ718 مقبرة دون صدور قرارات رسمية بإغلاقها.
كما يقدم التقرير ملاحظة قاسية من خلال الكشف عن أن 30٪ فقط من المقابر مسيجة، و2٪ منها تتوفر على مرافق صحية، وأقل من 1٪ لديها منشآت إدارية.
وفيما تتوفر 76 ٪ من المقابر (22.206) على طريق أو مسلك للولوج، فإن 23 ٪ فقط منها وضعيتها جيدة، و11٪ متصلة بشبكة الماء و6٪ فقط بالكهرباء.
من ناحية أخرى، تشير الوثيقة أيضا إلى أن الصيانة غير منتظمة وتعاني من نقص التمويل، مع معدل تنفيذ ميزانية يبلغ فقط 47٪.
بلغ مجموع المبالغ المحصلة من الإتاوات المتعلقة بالخدمات المرتبطة بالمقابر وتجهيزاتها المقدمة من 2018 إلى 2023 حوالي 115.7 مليون درهم.
++ قرابة 12% فقط من المقابر تديرها الجماعات المحلية
من ناحية الإدارة، تدير الجماعات مباشرة 12,25٪ فقط من المقابر (3.561 مقبرة)، بينما تُدار 86٪ (25.017 مقبرة) من طرف الجماعات السلالية أو ساكنة الدواوير أو “أفراد القبيلة”..
وقد أدى غياب اللوائح الواضحة إلى فوضى في تنظيم القبور والدفن. حيث أظهر التقرير قصور الجماعات في أداء وظائفها التنظيمية وعدم اضطلاع الرؤساء بصلاحياتهم في التدابير الجماعية لشرطة المقابر.
ويتجلى هذا القصور، في محدودية عدد الجماعات التي تمتلك قرارات تنظيمية أو أنظمة داخلية أو تصاميم لعملية الدفن. وهو وضع ينجم عنه اختلافات في شكل القبور وأحجامها والمساحات المشغولة.
وأفاد التقرير بأن ملكية الوعاء العقاري للمقابر على مستوى 1.413 جماعة توزعت بين الجماعات 12٪، الجماعات السلالية 40٪، الخواص 35٪، وجهات أخرى 13٪.
ورغم وضع الجماعات يدها على الأوعية العقارية من خلال تدبير مرفق المقابر، لا تزال حالة الأراضي دون ملفات القانونية وتقنية. وسجل أن 151 مقبرة فقط لديها وثائق قانونية واضحة، مقابل تسجيل وتحفيظ عقاري لـ 305 مقبرة من الأوقاف العامة، مما يفضي إلى نزاعات قضائية حول نزع الملكية.
++ دليل وطني ومنصة رقمية لتحديث إدارة المقابر
وأشار التقرير أيضا إلى أن الموارد البشرية محدودة جدًا، حيث يسجل فقط 383 موظفًا جماعيًا للمهام المرتبطة بالإشراف والتدبير الإداري والحراسة. كما يغيب سجل دفن لكل مقبرة لتوثيق الوفيات وعمليات نقل واستخراج الجثث، ما يمنع معرفة عدد الجثامين المدفونة.
ووجد التقرير أن 91٪ من الجماعات تعتمد على الشهادات الإدارية للوفاة المسلمة من ممثل السلطة المحلية، فيما تقوم 9٪ فقط بالمعاينة المباشرة وتسلم الشهادة بناء على ذلك، ما يؤدي إلى دفن أشخاص دون التأكد من أسباب الوفاة. فيما يقتصر استصدار رخص الدفن على 15٪ من الجماعات فقط.
وأمام هذه النواقص، أعلنت وزارة الداخلية عن دليل وطني ومنصة رقمية لتحديث إدارة المقابر، إلا أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يرى أن المشكلة هيكلية، ناجمة عن ضعف الرؤية والتخطيط والحوكمة المالية، ما يستدعي تعزيز تأطير تدبير المقابر وإدماجها في وثائق التخطيط الاستراتيجي الترابي.







