في مشروع مبتكر لمواجهة ندرة المياه في المناطق الجافة، نجح مهندسون ألمان في تركيب نظام فريد في جبال الأطلس الصغير في المغرب، يعمل على تحويل الضباب إلى مياه صالحة للشرب.
سلط موقع “كليك بتروليواجاس” المختص في العلوم والتكنولوجيا الضوء على هذه التقنية المبتكرة التي أطلق عليها اسم ” كلاود فيشر”.
تعمل التقنية على جمع الضباب وتخزينه، دون الحاجة إلى مضخات أو مولدات كهربائية. حيث تلتقط هياكل معدنية قطرات الهواء وتحولها إلى مياه شرب لقرى كانت تعتمد سابقا على آبار بعيدة وغالبا ما تكون مالحة.
باستخدام شباك الصيادين السحابية، والجاذبية، والرياح، ساهم مهندسو التقنية في تحسين حياة القرى الواقعة على حافة الصحراء التي تعاني من نقص الموارد المائية.
- لماذا أصبح المغرب مختبرا لهذه التقنية؟
جمع الضباب كمصدر للمياه ليس فكرة جديدة، فقد تم تطبيقها في مناطق جافة مثل تشيلي، باستخدام شباك بسيطة، لكنها واجهت مشاكل تتعلق بالموثوقية.
كانت الشبكات تتمزق في العواصف ولا تنتج كميات كافية، أو تتدهور في ضوء الأشعة فوق البنفسجية وتقلبات درجات الحرارة بين الليل البارد والنهار الحار.
لهذه الأسباب، لم يكن هذا الحل مناسبًا، بينما كان هدف المشروع إنشاء نظام يدوم لسنوات ويقدم خدمة مستدامة ، لا مجرد محطة مؤقتة.
في أوائل العقد الثاني من الألفية الثانية، قررت مؤسسة المياه غير الربحية -مقرها في ميونخ-، بالشراكة مع المصمم الصناعي بيتر تراوتفين، أن تعيد التفكير في كيفية جمع الضباب كمورد مستدام.
بدعم من شركاء في ألمانيا ومنظمات محلية في المغرب، تم اختيار جبل بوتمزكيدا كموقع اختبار بناءً على معيارين أساسيين: الضباب المنتظم ومجتمعات محلية بحاجة إلى مياه شرب أكثر أمانًا.
عملت الفرق على رسم خرائط لأنماط الرياح ولاحظت علامات طبيعية للرطوبة، مثل الطحالب التي تنمو على الصخور.
ومن هناك، بدأت المرحلة التقنية، حيث تم مقارنة الشبكات السميكة والرفيعة والمواد المختلفة حتى تم العثور على الحل الأمثل الذي يضمن أداءً مستدامًا.
- هواء الصحراء ماء للشرب
بدلاً من الغطاء المسطح من الأقمشة المحاكة العادية في المحاولات السابقة، تطلب المشروع الجديد تصميمًا مبتكرًا يمكنه تحمل قسوة الرياح والشمس.
و جاء هذا الإنجاز مع استخدام قماش فاصل ثلاثي الأبعاد من البولي إيثيلين، بعد حوالي عام ونصف من التجارب.
تستخدم الشبكة طبقتين منفصلتين، مكونة من ملايين القنوات الصغيرة التي تلتقط قطرات الضباب حين تصطدم بالألياف، فتتجمع وتكبر تدريجيًا. ثم تنساب قطرات المياه بفعل الجاذبية لتتجمع في قنوات مصبوبة وتنقل إلى خزانات.
دون الحاجة إلى مضخات أو مولدات كهربائية، كان المصدر الوحيد هو الرياح التي تدفع الضباب، وهو سحابة من القطرات المجهرية التي تتجمع في الهواء .
المياه المحتجزة تتدفق للأسفل بالجاذبية، والنظام مصمم لتحمل هبات الرياح القوية، مع إمكانية الصيانة باستخدام أدوات أساسية.
يتم تدريب السكان على فحص وإصلاح الأقسام التالفة، مع الحفاظ على دمج التكنولوجيا في روتين المجتمع اليومي.

- إحصائيات المشروع
تعمل المنشأة الكاملة في جبل بوتمزكيدا (Bout Mesguida) مع 31 جامعًا وصيادا سحابيا ومساحة شبكية إجمالية تبلغ حوالي 1700 متر مربع.
في الظروف المواتية، تشير بيانات المشروع إلى إنتاج حوالي 22 لترًا لكل متر مربع من الشبكة يوميًا من الضباب. ويمكن أن يصل إلى نحو 36,000 لتر في الأيام التي يكون فيها الضباب كثيفًا.
النقطة الأساسية لفهم هذه التقنية المبتكرة هي أن الإنتاج يتم “في يوم ضبابي”، ووحيث لا يوجد ضباب، لا يوجد حصاد للمياه.
على مدار العام، يترتفع حجم الإنتاج وينخفض حسب الفصول، لكنه يبقى ذا فائدة للمجتمعات التي كانت تعتمد سابقًا على آبار بعيدة وغير موثوقة.
وفقًا للوثائق المسجلة في قاعدة البيانات، توفر شبكة “كلاود فيشر” مياه الشرب لـ 12 إلى 16 قرية مع استفادة نحو 13,000 شخص.
كما تساهم الشبكة في تلبية احتياجات مدرسة محلية وماشية القرية، حيث توفر المياه اللازمة للشرب، الطهي، الغسيل، والنظافة الأساسية.
- نموذج التشغيل
الماء ليس مجانيًا تمامًا. تدفع العائلات رسوماً رمزية لكل متر مكعب، مشابهة لفاتورة الكهرباء الأساسية.
تصف قاعدة البيانات التعرفة بأنها جزء بسيط من 1 يورو (ما يعادل 11 درهمًا) لكل 1000 لتر، مع هدفين : المساعدة في تغطية تكاليف صيانة الخزانات وخطوط الأنابيب، وفي الوقت نفسه الإشارة إلى أن المياه ثمينة، مما يساعد في تقليل الهدر.
في الواقع، هذا الحل النظام أشبه بخدمة عامة صغيرة، متكيفة مع الواقع المحلي، بدلاً من كونه تبرعًا لمرة واحدة.
- ما الذي يتغير في الحياة اليومية ؟
مع اقتراب خزانات المياه من المجتمعات المحلية، يتغير الروتين اليومي بشكل كبير. الوقت الذي يُقضى سابقًا في المشي لمسافات طويلة للحصول على المياه أصبح الآن دقائق معدودة، ما أثر بشكل إيجابي على المدرسة والراحة وتنظيم الأسرة.
أبلغ العاملون الصحيون عن انخفاض في المشاكل المرتبطة بالمياه الملوثة، وأصبح روتين التنظيف والنظافة أكثر انتظامًا. وفي بعض المنازل، ظهرت حدائق خضروات صغيرة، حيث أصبح الماء متاحًا.
في النهاية، تكمن نقطة التحول الكبرى في بساطة الفكرة بسيطة :
عندما يتمكن المجتمع من تحويل هواء الصحراء إلى مياه صالحة للشرب بطريقة متوقعة، يتوقف الماء عن فرض قيوده على جميع القرارات اليومية، وتبدأ خيارات أخرى في حياة الناس.







