ربيعة طنينشي
يقدم التقرير الذي أعدّته المندوبية السامية للتخطيط حول الأسرة المغربية لسنة 2025 خلاصات تبدو، في ظاهرها، تقنية وعادية، لكنها في العمق تعكس اختيارات وتوجهات فكرية وسياسية واضحة. فرغم تقديم التقرير بلغة الأرقام، فإنه لم يكتفِ بوصف واقع الأسرة المغربية، بل يساهم، بشكل غير مباشر، في توجيه هذا الواقع نحو نموذج معين دون إعلان صريح عن ذلك.
في قراءة أولية للتقرير، يتبيّن أنه اقتصر إلى حد كبير على عرض الأرقام، دون تحليل الخلفيات التي تؤطر هذه المعطيات أو الكشف عن الرسائل الضمنية التي تحملها.
أولى الملاحظات التي يمكن تسجيلها على التقرير تظهر عندما يتحدث عن تأخر سن الزواج، وانخفاض معدلات الخصوبة، وتراجع عدد الأطفال، وارتفاع نسب الطلاق، وكأنها تحولات عادية تدخل في إطار “التطور الطبيعي”. وهذا التوجه يطرح إشكالاً حقيقياً، لأنه يسعى إلى تحويل تحديات واقعية إلى أمور عادية ينبغي التكيف معها، بدل طرح السؤال الجوهري: لماذا وصلت الأسرة المغربية إلى هذا الوضع؟
إن عرض مثل هذه التقارير يكتسي حساسية بالغة، لأنه يهيئ الرأي العام لتقبل اختيارات معينة. فعندما يتم التركيز بشكل كبير على “حرية الفرد”، مقابل إضعاف الحديث عن دور الأسرة، فإننا نكون أمام توجه يدفع نحو تغليب النزعة الفردانية على حساب الروابط الأسرية. وهذا ليس أمراً محايداً، بل هو اختيار له نتائج مباشرة على تماسك الأسرة والمجتمع.
فالأسرة في المجتمعات الإسلامية تُعد من الثوابت، وهي أساس الاستقرار. والزواج ليس مجرد خيار شخصي يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه بسهولة، بل هو مسؤولية وله دور محوري في حفظ التوازن داخل المجتمع. وبالتالي، فإن تقديم العزوف عن الزواج أو تأخيره كأمر عادي ينطوي على تقليل من أهمية هذه المؤسسة.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن التقرير لا يربط هذه التحولات بشكل واضح بالسياسات العمومية. فصعوبة الزواج اليوم لا تعود فقط إلى تغير العقليات، بل ترتبط كذلك بغلاء المعيشة، وارتفاع تكاليف الزواج، وتزايد البطالة، وصعوبة الولوج إلى السكن. هذه عوامل اقتصادية وسياسية واضحة، غير أن التقرير يمر عليها مروراً سريعاً، وكأن الإشكال يكمن أساساً في سلوك الأفراد، لا في الاختيارات الكبرى.
أما فيما يتعلق بالطلاق، فإن التقرير يكتفي بعرض الأرقام وربطها بتغير القيم وأنماط العيش، دون الغوص في الأسباب العميقة، مثل ضعف التربية الأسرية، وتراجع الإحساس بالمسؤولية، وقصور السياسات العمومية، وتأثير وسائل الإعلام في إعادة تشكيل القيم، إضافة إلى التركيز على الحقوق الفردية دون تحقيق التوازن مع الواجبات. وبهذا، يقدم التقرير قراءة سطحية لظاهرة معقدة، بدل إدراجها ضمن رؤية شمولية تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي، وتبحث عن حلول تبدأ من التربية ولا تنتهي عند التشريع، بل تمتد إلى حماية الأسرة من التفكك.
وفي ما يخص موضوع المرأة، يبدو أحياناً أن التقرير يميل إلى تصوير العلاقة داخل الأسرة وكأنها صراع على السلطة، بدل اعتبارها علاقة قائمة على المودة والرحمة والتعاون والتكامل. وهذا التصور لا ينسجم مع طبيعة المجتمع المغربي ولا مع المرجعية الإسلامية التي تقوم على مبدأ التوازن.
خلاصة القول، إن التقرير يقدم معطيات مهمة، لكنه في عمقه يعكس توجهاً نحو إعادة تشكيل الأسرة المغربية بشكل تدريجي، عبر التركيز على الفرد وتقليص دور الأسرة. والإشكال ليس في التغيير في حد ذاته، بل في طريقة تقديمه وكأنه مسار حتمي لا يقبل النقاش.
إن المطلوب اليوم ليس رفض هذه التقارير، بل إعادة تأطيره بشكل موضوعي وواقعي ضمن رؤية سياسية واضحة تنطلق من الثوابت المغربية، مع فتح نقاش عمومي صريح حول سؤال جوهري: أي أسرة نريد؟ هل نريد أسرة قوية متماسكة تحفظ استقرار المجتمع، أم نتجه نحو نموذج يضعف هذه الروابط؟
والحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي أن إضعاف الأسرة ليس مجرد تحول اجتماعي عابر، بل هو خيار له كلفة باهظة، سيدفع ثمنها المجتمع بأسره.







