هل تنتهي العائلة الكبيرة في المغرب؟ الأسر تنكمش إلى أقل من 4 أفراد و73% منها نووية

تكشف نتائج “البحث الوطني حول الأسرة 2025” عن تحولات رقمية وبنيوية عميقة تعيد تشكيل العائلة المغربية، في ظل انتقال متسارع نحو أنماط عيش أكثر فردانية واستقلالية.

وتؤكد هذه المعطيات، التي قُدمت في ندوة رسمية يوم 8 أبريل 2026 بالرباط، أن الأسرة ما تزال في صلب التماسك الاجتماعي، لكنها تعيش في الآن ذاته على وقع إعادة تشكيل توازناتها الداخلية وأنماط التعايش داخلها، كما أشار المندوب السامي للتخطيط.

أقل من 4 أفراد.. تآكل نموذج الأسرة الكبيرة

أبرزت المعطيات تراجعا لافتا في حجم الأسر، حيث انتقل متوسط عدد الأفراد من 4.6 سنة 2014 إلى 3.9 سنة 2024، في سابقة تعكس تحولا عميقا في البنية الديموغرافية.

ولا يُعد هذا التراجع مجرد رقم، بل يعكس، وفق المندوبية السامية للتخطيط، إعادة توزيع تدريجي للأدوار داخل الأسرة، وتغيرا في أنماط العيش والسكن، مع ميل متزايد نحو الاستقلالية السكنية وتقليص التعايش الجماعي.

73% من الأسر نووية.. تحول بنيوي مستمر

تؤكد نتائج البحث أن 73% من الأسر المغربية أصبحت تعتمد النموذج النووي، مقابل أقل من 61% سنة 1995، ما يعكس “استقطابا متزايدا للمجموعة الأسرية حول الوالدين”، بحسب المندوب السامي.

ويظل نموذج الزوجين مع أطفال هو الشكل الأكثر انتشارا بنسبة 53.9%، مع حضور أقوى في الوسط القروي، ما يعكس استمرار بعض الخصوصيات المجالية رغم التقارب بين المدينة والقرية.

ويشير هذا التحول إلى انتقال تدريجي من الأسرة الممتدة إلى وحدات أصغر، وهو ما ينعكس على طبيعة التضامن العائلي وآليات الدعم بين الأجيال.

الأزواج بدون أطفال.. تضاعف ثلاث مرات

من أبرز المؤشرات الرقمية اللافتة، ارتفاع نسبة الأزواج دون أطفال من 3.4% إلى 9.4% خلال الفترة الممتدة بين 1995 و2025.

ويرتبط هذا التحول بشكل كبير بظاهرة “الأعشاش الفارغة”، حيث يشكل كبار السن (60 سنة فما فوق) أزيد من 72% من هذه الفئة، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة الشيخوخة داخل المجتمع المغربي.

الأسرة الممتدة تتراجع.. وتفكك التعايش متعدد الأجيال

في المقابل، سجلت الأسر الممتدة تراجعا حادا من 35.2% إلى 19.8%، ما يعكس انحسارا في نمط العيش المشترك بين عدة أجيال داخل نفس المسكن.

كما تراجعت نسبة التعايش متعدد الأجيال من 29% إلى 16.8%، وهو ما يعكس، وفق التقرير، إعادة تشكيل عميقة للبنية الأسرية التقليدية التي كانت تقوم على القرب الجغرافي والتضامن اليومي المباشر.

وفي هذا السياق، أشار المندوب السامي إلى أن أقل من نصف أرباب الأسر يعيشون اليوم في نفس المنطقة التي يقيم فيها آباؤهم، ما أثر على طبيعة العلاقات الأسرية، حيث تراجع الحضور المباشر والخدمات العينية مقابل ارتفاع التواصل عن بعد والدعم المالي.

الأسر الأحادية في صعود.. مؤشر على الهشاشة

سجلت الأسر الأحادية ارتفاعا من 7.3% إلى 8.8%، مع انتشار أكبر في الوسط الحضري (9.9%) مقارنة بالوسط القروي (6.5%).

ويرتبط هذا النمط، في الغالب، بالطلاق أو الإكراهات الاقتصادية، ما يجعله مؤشرا دالا على بروز أشكال جديدة من الهشاشة الاجتماعية، خاصة في ظل ضعف الموارد وتزايد الأعباء الأسرية.

الزواج يتراجع.. والإكراهات الاقتصادية حاضرة

تكشف المعطيات أيضا تحولات في السلوك الزواجي، حيث لا يرغب نحو 52% من العازبين في الزواج، خاصة الرجال، في ظل صعوبات اقتصادية متزايدة.

ويبلغ متوسط سن الزواج الأول 26.3 سنة لدى النساء و33.3 سنة لدى الرجال، ما يعكس تأخرا في بناء الأسر، مرتبطا بشكل وثيق بظروف الشغل والاستقرار الاقتصادي، وفق ما أكده المندوب السامي.

كما تراجعت الزيجات بين الأقارب من 29.3% إلى 20.9%، في مؤشر على انفتاح اجتماعي وجغرافي أكبر داخل المجتمع المغربي.

كبار السن.. بين الرعاية الأسرية والهشاشة

رغم التحولات، تظل الأسرة الإطار الأساسي لعيش كبار السن، حيث يقيم 59.3% منهم مع أحد الأبناء على الأقل.

غير أن هذا المعطى يخفي هشاشة واضحة، إذ أفاد 31% من كبار السن بعدم توفرهم على أي مصدر دخل، فيما لا تتجاوز نسبة من تغطي مداخيلهم احتياجاتهم 9%، ما يبرز محدودية الحماية الاقتصادية لهذه الفئة.

الحركية الاجتماعية.. صعود مشروط

تشير النتائج إلى أن نحو 62% من المغاربة يعيشون وضعية اجتماعية مختلفة عن آبائهم، في دلالة على حركية اجتماعية معتبرة.

غير أن هذه الحركية تبدو، بحسب المندوبية، مرتبطة بتحولات البنية الاقتصادية أكثر من ارتباطها بتكافؤ الفرص، حيث سجل 41% صعودا اجتماعيا مقابل 21.2% في وضعية تراجع.

العائلة بين الصمود والتحول

رغم كل هذه التحولات، تؤكد نتائج البحث أن الأسرة المغربية لا تزال تضطلع بدور محوري في التضامن الاجتماعي، خاصة خلال الأزمات، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19.

غير أن المندوب السامي شدد على أن هذه التحولات لا تعني تفكك الأسرة، بل تعكس قدرتها على التكيف مع واقع متغير، مع بروز احتياجات جديدة تستدعي مواكبة سياسات عمومية أكثر دقة ونجاعة.

تكشف الأرقام أن العائلة المغربية تعيش تحولا هادئا لكنه عميق: من بنية ممتدة قائمة على القرب والتعايش، إلى وحدات أصغر وأكثر استقلالية، في سياق تفرض فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية إعادة التفكير في دور الأسرة وحدود قدرتها على الاستمرار كصمام أمان اجتماعي.

المصدر: نتائج “البحث الوطني حول الأسرة 2025” للمندوبية السامية للتخطيط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top