في وقتٍ تتزايد فيه معدلات الحساسية لدى الأطفال في المدن، يسلّط تقرير علمي حديث الضوء على مفارقة لافتة: أطفال المزارع أقل عرضة بشكل واضح للإصابة بالربو والأكزيما وحساسية الأنف.
فما الذي يجعل البيئة الريفية، وتحديداً حياة المزارع، أكثر حماية للمناعة؟
بحسب مقال للكاتبة Sarah Bachir نشره موقع Futura المتخصص في تبسيط العلوم، فإن الإجابة لا تتعلق بنقاء الهواء كما يُعتقد، بل بعوامل بيولوجية معقدة ترتبط بطريقة تشكّل جهاز المناعة منذ الطفولة المبكرة.

“أثر المزرعة”… أرقام لافتة
تشير دراسات أوروبية إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة المزارع تقل لديهم مخاطر الإصابة بالحساسية بنسبة تتراوح بين 50 و80% مقارنة بأقرانهم في المدن.
ومن أبرز هذه الأبحاث، دراسة PARSIFAL study، وهي دراسة أوروبية واسعة نُشرت عام 2006 وشملت آلاف الأطفال بين 5 و13 عاماً، قارنت بين أطفال المزارع وسكان المدن، وخلصت إلى أن التعرض المبكر لبيئة المزرعة يرتبط بانخفاض ملحوظ في معدلات الربو والحساسية.
كما أكدت دراسات لاحقة، مثل مشروع GABRIELA ، هذه النتائج، مشيرة إلى أن التنوع في التعرض لعناصر المزرعة (الحيوانات، التبن، التربة) يعزز هذا الأثر الوقائي.

عندما تصبح “النظافة الزائدة” مشكلة
يفسّر العلماء هذه الظاهرة بما يُعرف بـ”نظرية النظافة”، التي تفترض أن الجهاز المناعي يحتاج، منذ الأشهر الأولى من الحياة، إلى التعرض لمجموعة متنوعة من الميكروبات حتى يتعلم التمييز بين ما هو ضار وما هو غير مؤذٍ.
في البيئات الحضرية، حيث التعقيم المفرط والحد من التعرض للجراثيم، قد “يرتبك” الجهاز المناعي، فيبدأ بمهاجمة عناصر غير خطرة مثل حبوب اللقاح أو بعض الأطعمة، ما يؤدي إلى الحساسية.
أما في المزارع، فيتعرّض الأطفال لما يشبه “تدريباً طبيعياً” للمناعة، عبر بيئة غنية بالبكتيريا والفطريات القادمة من الحيوانات والتربة، وهو ما يعزز توازن الاستجابة المناعية لديهم.

اللاعب الخفي… الميكروبيوتا
يركّز المقال على دور “الميكروبيوتا” (البكتيريا النافعة في الجسم)، التي تتشكل بشكل أفضل لدى أطفال المزارع.
هذا التنوع الميكروبي يساعد الجهاز المناعي على ضبط ردود فعله، ويمنعه من المبالغة في الاستجابة، وهو ما يفسر انخفاض نسب الحساسية لديهم.
كما تلعب مركبات طبيعية مثل “الإندوتوكسينات”، الموجودة في بيئة الإسطبلات، دوراً في تقوية هذا التوازن المناعي على المدى الطويل.

ماذا يمكن أن يفعل سكان المدن؟
رغم صعوبة استنساخ بيئة المزرعة داخل المدن، يقترح الباحثون خطوات عملية لتعزيز مناعة الأطفال، منها:
- الاحتكاك بالطبيعة وقضاء وقت أطول في الهواء الطلق
- تربية الحيوانات الأليفة، خصوصاً الكلاب
- تجنب الإفراط في استخدام المعقمات
- اعتماد نظام غذائي غني بالألياف
- دعم الرضاعة الطبيعية لما لها من دور في تقوية البكتيريا النافعة

بين العلم والواقع
ورغم هذه النتائج، يشدد الخبراء على أن “أثر المزرعة” يبقى ظاهرة إحصائية، إذ لا يعني ذلك أن جميع أطفال المدن سيصابون بالحساسية أو أن جميع أطفال المزارع محصنون منها، فالعوامل الوراثية والبيئية الأخرى تظل حاضرة بقوة.
لكن المؤكد، وفق هذا الطرح العلمي، أن إعادة التوازن لعلاقة الإنسان مع بيئته الطبيعية قد تكون مفتاحاً أساسياً لفهم انتشار أمراض الحساسية في العالم الحديث.







